Wednesday, August 26, 2009

كل شيء في الحياة يولد صغيرا ثم يكبر إلا الأحزان فإنها تولد كبيرة ثم تضمحل


أنا زوجة وأم تزوجت منذ ثماني سنوات من رجل طيب وكريم الخلق ويرعي الله في عمله‏,‏ وعشنا معا حياة دافئة بالحب والمودة والحنان‏,‏ بفضل حبي لزوجي وحب زوجي لي‏,‏ الي جانب طبيعته المرحة والودودة‏,‏ فلقد اسبغ زوجي علي حياتنا قدرا كبيرا من البهجة بطيبته وخفة روحه‏..‏ وحبه لي‏..‏

وكان دائم الضحك والمرح والمعبثة معي‏..‏ وولا يكف عن مغازلتي كل يوم بكلمات الحب الجميلة كأننا خطيبان في فترة الخطبة الأولي‏..‏ بل وكان أيضا يكتب الشعر في حبي ويقرأه علي لأنه من هواة كتابة الشعر وإلقائه‏..,‏ وبعدانجابي لطفلي الثاني وجدت أنني لا استطيع الاستمرار في عملي كموظفة حكومية وحصلت علي اجازة بدون مرتب لكي أرعي الطفلين ثم أنجبت الطفل الثالث فأصبحت مسئوليتي أكبر ومددت الأجازة لفترة أخري لكي أقدم لأطفالي مايحتاجون إليه من رعاية واهتمام وحنان‏..‏


ومضت بي الحياة حافلة بالمشاغل اللذيذة من رعاية الأطفال‏..‏ وتلبية مطالبهم وفض اشتباكاتهم الصغيرة‏..‏ وتنظيم أوقات طعامهم‏..‏ ولهوهم‏..‏ ونزهاتهم‏,‏ وزوجي يرجع من عمله فيتفرغ لمداعبة الأطفال‏..‏ ومداعبتي‏,‏ ويصطحبهم لشراء الحلو واللععب الصغيرة أو لشراء متطلبات البيت‏,‏ ومن حين لآخر يدعونا للخروج كلنا في زيارة عائلية أو الي إحدي مدن الملاهي‏..‏ أو الي المشي في الشارع بلاهدف‏..‏ ويجد دائما ما يعلق عليه بظرف وخفةدم فتمضي نزهتنا في مرح حتي نعود‏..‏

ومنذ عام واحد رحلت عن الحياة والدته يرحمها الله فحزن لرحيلها وبكي كثيرا وغابت الضحكة عنوجهه‏..‏ وشاركته حزنه وتعاطفت معه‏,‏ وبدأ يكثر من السفر الي بلدته‏,‏ ليزور أخويه اللذين يكبرانه واللذين ربياه من بعد أبيه حيث مات والده وهو طفل صغير‏,‏ ويزور قبر والدته ويرجع واجما حزينا‏,‏ فأرقبه في اشفاق وأدعو له الله أن يترفق به‏.‏

وانتظرت أن يتخفف زوجي الحبيب منحزنه مع الأيام وبدأ بالفعل يستعيد بعض حماسه السابق بعد عدة أسابيع‏,‏ فاذا به يصدم صدمة أخري برحيل شقيقه الأكبر عن الحياة‏..‏ وازدادت أحزانه بدلا من أن تهدأ‏,‏ ورجع للسفر اليبلدته كل خميس ليرعي شئون أسرة شقيقه ويزور قبور الراحلين ويرجع من رحلته حزينا مهموما‏..‏


واشتد اشفاقي علي زوجي مما يشعر بهمن وحشة وألم لفراق والدته وشقيقه الذي كان يعتبره أبيه‏..‏ وتمنيت أن تسرع الأيام في سيرها لكي تبعد الذكري وتهدأ الأحزان‏..‏ لكن الأيام جاءت بما لا تشتهي السفن وصدم زوجي صدمته الثالثة بعد بضعة شهور أخري‏..‏ ففجع برحيل شقيقه الذي يلي أخاه الأكبر في السن بغير سابق انذار‏..‏ فاستقرت الكآبة في نفسه‏..‏ وانشغل بالسفر كل بضعة أيام الي بلدته ليرعي شئون اسرتي شقيقيه‏..‏ وبيت العائلة ومصالح الأسرة لأن شقيقه الأصغر لا خبرة له بالتعامل مع المصالح الحكومية‏..‏


وشجعته علي القيام بواجباته العائلية تجاه أسرته‏..‏ وتحملت غيابه وبعده عنا في صبر والتمست له العذر في انشغاله بشئون عائلته لأنه يمر بظروف قاسية‏..‏ ولأن أخويه اللذين رحلا عن الحياة بعد أمهما في فترة قصيرة كانا الي جانب أمه كل شيء له في لحياة‏..,‏ لكن المشكلة اتخذت شكلا آخر أدي الي تغير صورة الحياة في أسرتنا‏..‏ فلقد تغيرت أشياء كثيرة فيشخصية زوجي خلال هذا العام‏,‏وبعد أن كان دائم الضحك والمرح والدعابة‏..‏ أصبح دائم الحزن والاكتئاب والتجهم‏..,‏ وبعد أن كان هاديء الطبع طويل البال أصبح ضيق الصدر وشديد العصبية ويثور وينفعل لأتفه الأسباب‏..‏

وبعد أن كان يغازلني كليوم بأجمل كلمات الحب ويكتب الشعر في حبي أصبح صوته يعلو علي بكلمات قاسية‏..‏ ويسبني بألفاظ بشعة‏,‏ بل لقد رفع يده علي لأول مرة في حياته خلال الفترة الأخيرة عدة مرات‏.‏
كما أنه أهمل مظهره وملابسه وصحته بالرغم من أنه يعاني من ألم في الكلي وصداع دائم في الرأس‏..‏

فظللت الكآبة والحزن حياتنا التي كانت مليئة بالحب والضحك والبهجة‏..‏ ولم يعد زوجي يهتم بتلبية مطالبالبيت‏..‏ أو يترك لي نقودا كافية‏,‏ وأصبحت بالنسبة له كقطعة الأثاث التي بلا مشاعر ولا أحاسيس‏..‏

وجف نبع حنان زوجي وحله لي مع أنني في أشد الحاجة اليهما لأنني وحيدة في الحياة ورحلت أمي عن الدنيا من زمن بعيد وغادر أبي البلاد وسافر بعيدا وتزوج في غربته‏..,‏ولم يعد أمامي سوي الصبر علي زوجي والأمل في عودته للاهتمام بزوجته وبيته‏..‏ فهل تكتب له كلمة تناشده فيها أن يرجع الي ما كان عليه‏..‏ وتقول له أن زوجته وأطفاله الثلاثة في أشد الحاجة اليه وان ما يحتاجونه لابد أن تكون له الأولوية لديه عن أي شيء آخر مهما كانت الواجبات والمسئوليات الأخري‏.‏
انني أدعو الله كل يوم أن يخفف عنه ويرده الينا واتساءل في حسرة أين أيام المرح والغزل والعشرة الطيبة‏..‏ وهل سترجع مرة أخري‏!‏

ولكاتبة هذه الرسالة أقول
نعم سترجع بإذن الله‏..‏ ولكن بعد أن تقوم الأيام بدورها المقدور في مداواةالجراح‏..‏ وتهدئة الأحزام‏,‏ فكل شيء في الحياة يولد صغيرا ثم يكبر إلا الأحزان فإنها تولد كبيرة ثم تضمحل تدريجيا حتي تهدأ وتتحول الي شجن رفيق لايحول بين صاحبه وبين ابتهاجه بالحياة‏..‏ وليس من صحة النفس والوجدان ان يبتسر الانسان هذه الدورة الطبيعية أو يتعجل انقضاء مراحلها قبل الأوان‏,‏وانما عليه أن يرعي حزنه في صمت وصبر حتي يستوفي دورته محتسبا أسباب أحزانه عند ربه وداعيا إياه أن يخفف عنه ما يضيق به صدره‏.‏

أمانبع الحنان الذي جف في قلب زوجك‏..‏ فإن ماء النبع قد يغيض اذا شحت موارده الطبيعية‏..‏ لكنه قد يفيض كذلك من جديد كسابق عهده أوأغزر اذا تلقي شحنه اضافية من مصادره الجوفية‏.‏ ومهمتك الآن ياسيدتي هي أن تعيني ماء هذا النبع علي التدفق من جديد بصبرك علي أحزان زوجك وتعاطفك معه‏..

‏ وتسامحك مع ما طرأ علي روحه وشخصيته من تغيرات جوهرية صنعتها هذه الأحزان المتتالية خلال فترة قصيرة من الزمن‏.‏ اذ يبدو لي انك قد تعجلت قبل الأوان عودة زوجك الي طبيعته المرحة السابقة معك‏,‏ وتفرغه الكامل لأسرته واطفاله‏..‏ ومداعباته الماضية وغزله الرقيق لك كل يوم‏,‏ وانحيت عليه باللائمة لانصرافه عنك وعن أسرته الي الانشغال بشئون عائلته ومسئولياته الأدبية والمادية الجديدة في وقت مبكر بالنسبة لمثلهذا الحساب والعتاب‏,‏ ففتح ذلك باب الجدال والشقاق بينكما وفوجئت أنت بردود فعله الانفعالية والعصبية لمثل هذا اللوم الذي يبدو له كنوع من عدم التقدير لظروفه الجديدةمن جانبك أو كنوع من الأنانية الشخصية في ظروف تتطلب منك بعض الصبر وبعض التضحية‏..‏ وغاب عنك في شدة تلهفك الياستعادة الأيام السعيدة الخالية مع زوجك وغزله الشعري والنثري لك كل يوم‏,‏ ان التعاسة كما يمكن أن تقرب بين الناس حين يتعاطفون معمن يعانيها‏..‏ فإنها أيضا يمكن أن تفرق بينهم اذا استشعر المهمومون قلة صبر المقربين منهم علي همومهم‏,‏ أو عدم احترامهم لأحزانهم‏.‏


والأحزان الكبيرة تورث صاحبها فتور الروح تجاه ما كانت تبتهج له قبل أن تداهمه عاصفة الهموم‏,‏ وتورثه قلة الصبر علي الجدال والخلاف والمضايقات‏,‏ وتكسبه ضيق الصدر والحدة والانفعالية الشديدة‏..‏ ولهذا فإن أفضل ما تتعاملين به مع زوجك الآن هو الصبر علي ما أغور روحه من فتور تجاه الأشياء‏..,‏ والتسامح مع عصبيته وانفعاليته الطارئة التي لاتعبر عنشخصيته الحقيقية بدليل سجله السابق معك طوال سنوات الزواج‏,‏ وتجنب الجدال والشقاق معه‏,‏ وتأجيل المطالب والمحاسبة واللوم الي أن تهدأ فورة أحزانه‏..‏ ويتقبل واقعه الجديد ويتآلف معه‏..,‏ ومحاولة اشعاره بالتضحية ببعض اعتباراتك الشخصية مراعاة لأحزانه ومسئولياته وهمه الذي يفعل الكثير بروح الانسان وليس بجسمه فقط‏..‏ حتي قال عنه المتنبي في أشعاره
الهم يخترم الجسم نحافة ............................................ ويشيب ناصية الصبي ويهرم
وقال عنه الانجليز في أمثالهم انه الشيء الوحيد الذي يقتل القطة التي اشتهرت عند العامة بأن لها سبع أرواح‏.‏
ولهذا فإن المحزون يحتاج الي التعاطف والتسامح معه والصبر عليه أكثر مما يحتاج الي كل ذلك خالي البال‏,‏ وليس الي التشاحن معه والشقاق والمحاسبة والعتاب‏,‏ أما أيام السعادة والمرح وكلمات الغزل الرقيقة فلسوف تعود مرة أخري الي حياتك‏,‏ وبقدر ما تصبرين علي زوجك حتي يتجاوز هذه الفترة العصيبة من حياته‏,‏ فالقلب الطروب لايفقد ابتهاجه بالحياة الي غير رجعة اذا اعتصرته بعض آلام الحياة‏..‏ وإنما يخلص الحزن لما يستحق منه الحزن له‏..‏ ثم يستعيد عافيته من جديد واقباله علي الحياة بعد فترة ملائمة من الوقت‏,‏ ويخلص الابتهاج أيضا بما يدعو الي البهجة والاحتفاء به من أسباب الحياة‏.‏


فاصبري ياسيدتي وانتظري
فإن قضي اليوم وما قبله .......................................... ففي الغد الحي‏..‏ صباح الحياة‏!‏
كما يقول أبوالقاسم الشابي‏..‏ وشكرا


عبد الوهاب مطاوع بريد الاهرام ١٦ ابريل ١٩٩٩
 

Sample Text

أنا إن عشت لست أُعدم قوتا ** وإذا مت لست أعدم قبرا
همتي همة الملوك ونفسـي** نفس حر ترى المذلة كفرا
وإذا ما قنعت بالقوت عمري** فلماذا أخاف زيدا وعمروا



إذا وقع الذباب على طعام رفعت يدي ونفسي تشتهيه
وتجتنب الأسود ورود ماء إذا كن الكلاب ولغن فيه

إذا كنت في نعمة فارعها
فإن المعاصي تزيل النعم
وحافظ عليها بتقوى الإله
فإن الإله سريع النقم

لسانك لا تذكر بها عورة امرئ
فكلك عورات وللناس ألسن
وعينك إن أبدت إليك معايباً لقوم
فقل يا عين للناس أعين

يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا
وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه
كم نطلب الله في ضر يحل بنا
فإن تولت بلايانا نسيناه
ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا
فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه
ونركب الجو في أمن وفي دعة
فما سقطنا لأن الحافظ الله


فَلا تَغُرَّنَّكَ الدُّنْيــا وَزِينَتُها *

وانْظُرْ إلى فِعْلِهــا في الأَهْلِ والوَطَنِ

وانْظُرْ إِلى مَنْ حَوَى الدُّنْيا بِأَجْمَعِها *

هَلْ رَاحَ مِنْها بِغَيْرِ الحَنْطِ والكَفَنِ

خُذِ القَنـَاعَةَ مِنْ دُنْيَاك وارْضَ بِها *

لَوْ لم يَكُنْ لَكَ إِلا رَاحَةُ البَدَنِ

يَـا زَارِعَ الخَيْرِ تحصُدْ بَعْدَهُ ثَمَراً *

يَا زَارِعَ الشَّرِّ مَوْقُوفٌ عَلَى الوَهَنِ








My Blog List

Powered by Blogger.

Dreams Of An Inspired Mind: Muslim-ized

john cena
Subscribe to Feed


مدونة أفلا يتدبرون القرآن

john cena

My Blog List

Blog Archive